
فقه الإستضعاف ؛ استمراء للإذلال ، واستمالة للأعداء
بقلم / أحمد بوادي
http://bawady.maktoobblog.com/wp-admin/post.php?action=edit&post=1112735
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله .
أما بعد :
قد لا تختلف حقيقة المشعوذين والكهان عن حال كثير من دعاة السوء والبهتان إن كان الجامع لهما أمرا واحدا
استراق الحقائق وبث الدسائس ، مع إشاعة الأكاذيب وتزيينها لتتوافق مع مطلبات الهوى والشهوات ليلق استحسانا وقبولا عند كثير من الجهلاء والسفهاء .
ونحن أمام معضلة كبيرة وعظيمة مع فئام من هؤلاء الناس جعلوا هواياتهم وأد مصطلحات الشريعة والتعدي عليها بتسييرها أو تسييسها بما يتلائم مع متطلباتهم وحاجياتهم التي يستباح فيها أمر دينهم وأعراضهم وتسلم لهم فيها أنفسهم وأموالهم
هذه المعضلة التي أذلتنا ونالت من عزائمنا ، وجعلتنا عبيدا للكفار
بعد أن كنا أصحاب نصر واستعلاء ، وقد ملكنا هذه الدنيا قرونا ، وأخضعها جدود لنا خالدونا
بعد أن كنا أصحاب سبق في شتى الميادين والمجالات
بلغ الحال فينا أن يقال اليوم عنا أصحاب العالم الثالث ؟؟!!! .
وكلما تذكرت هذه الكلمات _ أصحاب العالم الثالث _ التي مازال صداها يتردد في مسامعي كلما جاءت مناسبة الحديث عنها أتذكرها عندما عرفتها لأول مرة من معلمي وكنت آنذاك طالبا في المرحلة الإعدادية من متوسطة ابن الرومي في مدينة الرياض في بداية الثمانينات
لن أنسى كلمات مدرس التاريخ وهو يقول :
أتدرون ما المقصود بالعالم الثالث ؟؟!!! المراد منها العالم المتخلف
لكن حتى لا يحرجوا أنفسهم باستخدام تلك الألفاظ
أو حتى لا يجرحوا مشاعرنا لأن البعض قد يكون عنده نوع من الأدب
أو أنهم أرادوا الظهور بالوجه الأخلاقي اللائق أمام العباد قالوا العالم الثالث
فكلما تذكرتها عرفت حقيقة الذل والهوان الذي تعيشه أمة الإسلام تحت شعار فقه الإستضعاف
الذي ارتضاه المتخاذلون وهم يسلبون الأمة كرامتها وعزها وكبرياؤها
لتسلم لهم حياة الخنوع في نعيم الدنيا مع الرضا بالذل والهوان
حتى البغاث في أرضنا يستنسر
إني تذكرت والذكرى مؤرقة *** مجداً تليدا بأيدينا أضعناه
أنى اتجهت للإسلام في بلد *** تجده كالطير مقصوصاً جناحاه
كم صرفتنا يد كنا نصرفها *** وبات يحكمنا شعباً ملكناه
إن من أسباب هذا التخلف حقيقة مرة جعلت في الحلوق شجى وغصة
عندما رضينا بالذل والقعود وغرق الدعاة العصرانيون في سبات عميق واسترخاء مقيت
شعارهم يسعنا فقه الإستضعاف
فروا من حياة العز والكبرياء وقبلوا حياة الذل والخنوع
فما أقربهم للغدر وما أضيعهم للوفاء
فلا مانع من هذا وغيره ففقه الإستضعاف عذرا لنا في كل هذه الأشياء ؟؟!!! .
وتحذيرا من هذا الفكر المهزوم الذي تربع دعاته في الفضائيات وأعطوا العنان لأقلامهم في الصحف والمجلات أحببت أن أسلط الضوء على مفهوم فقه الإستضاف حتى لا يجعله هؤلاء مرتكز خذلانه وقعودهم عن نصرة الإسلام وقضايا الأمة
فقه الإستضعاف
هذا المصطلح الذي شاع بين كثير من دعاة العصر ينبغي علينا أن نفهم أن المراد منه ليس على إطلاقه
وإنما له ضوابط وأصول
فلا يفهم منه أبدا
أن لا يحفظ المرء ماء وجهه
وأن لا يذب عن دينه وعرضه
وأنه ينبغي له التنازل للعدو عن تراب وطنه
وأن لا يدافع عمن سب وشتم دينه ونبيه
ففقه الإستضعاف لا بد وأن يكون عن ضرورة قائمة ومعلومة ، خاضعا لضوابط وأصول العقيدة ، ولا يعمل به إلا بعد سد الطرق واستنفاذ الوسائل المانعة لا أن نقحم فيه كل الأمة ونسترخي فيه ونستسلم
قد ذكر الله عز وجل المستضعفين في أكثر من موضع
تارة بالثناء وأخرى بالتوبيخ والتنكيل
ومن صور التوبيخ والتنكيل للمستضعفين ما قاله تعالى :
{إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً }
وبين حال المتخاذلين عن لقاء العدو بحجة الضعف
{قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ }
وقال تعالى :
{قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ }
وقد أنكر الله على الجد بن قس تخلفه عن اللحوق بركب الجهاد لتعذره بضعفه عن الصبر
أمام نساء بني الأصفر فأنزل الله تعالى فيه :
{وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ }
ولم يعذر الله المستضعفين باستكبار أسيادهم عليهم بأن أنجاهم من العذاب بل جعل مصير الجميع النار
قال تعالى :
{وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }
وقال تعالى :
{ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ }
ومن خلال هذه الأيات يظهر لنا أن التعذر بالاستضعاف مرفوض مردود
لا ينجي صاحبه من عذاب النار
فالاستضعاف لا يصلح أن يكون عذرا في الشرك بالله ، ولا يصلح أن يكون عذرا في موالاة أعداء الله
ولا يصلح أن يكون عذرا في التجسس على المسلمين لصالح أعداء الدين
والاستضعاف ليس حجة يخلد إليها المتقاعسون لبث ونشر الأراجيف في الأمة
والنيل من عزيمتها واضعاف قدراتها وتخذيلها لقبول الواقع المرير في ذل وهوان باسم فقه الإستضعاف
فحينئذ سيكون هذا عين التآمر على الإسلام والمسلمين من هؤلاء الدعاة الجدد الذين أرادوا للأمة الانسياق
والإنجرار بالإنجراف خلف أعدائها والإنقياد لها كما تقاد البهيمة
وكلما ناقشت شخصا أو حاورته للنهوض بكرامة الأمة وإعادة مجدها وكرماتها
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ